عبد الملك الجويني

169

نهاية المطلب في دراية المذهب

الخرصُ في الرطب الذي لا يمكن كيلُه مقامَ الكيل فيما لم يمكن كيلُه ، والكيل على حالٍ أيسر من الوزن ، والوزن أحصرُ من الكيل ، فإذا احتمل الكيل ليُسرِه مع إمكان إجراء الوزن ، فليُحتَمل الوزنُ ، حيث لا يتأتى الكيل . والشافعيُّ منعَ بيعَ التمرِ بالرطب لما تخيّلهُ من التفاوت عند تجفيف الرطب ، ومتمسكه قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم : " أينقص الرطب إذا يبس " وهذه إشارةٌ من الشارع إلى المآل ، فإذاً ما وراء الخمسة مردود بذكر الخمسة ؛ فإن التقدير ينقصُ في اقتضاء المفهوم . فهذا أقصى الإمكان في توجيه النص ، وهو على نهايَةِ الإشكال . 3067 - ثم نفرّع على ما مهدناه مسائلَ ، منها : أنه إذا اشترَى رجل في صفقاتٍ أَوساقاً كثيرة ، وكل صفقةٍ لا يزيد مضمونُها على ما دون الخمسةِ ، فالكل صحيحٌ ، وحكم كل صفقة مأخوذٌ من مضمونها ، لا تعلق لها بغَيرها . ولو اشترى رجلان من رجل تسعةَ أوسق ، فالبيع صحيح بلا خلاف ؛ فإن إطلاق البيع يقتضي أن يملكَ كل واحدٍ من المشتريَيْن أربعةَ أوسقٍ ونصف ، فلم يدخل في ملكِ كلّ واحد منهما إلا ما ينقصُ عن الخمسةِ . ولو باع رجلان تسعة أوسق من رجل واحدٍ ، فقد اختلف أصحابنا ، فمنهم من أبطل البيعَ ، وهو الذي اختاره صاحبُ التلخيص ووجهه أنه لو صح العقد ، لدخل في مِلكهِ تسعةُ أوسقٍ بطريق الخَرْص دفعةً واحدة ، وهذا يخالف مقصودَ الخبر ، وإذا تحققت المخالفةُ ، فلا فرق بين أن يتعدّدَ البائع أو يتَّحد . ومن أصحابنا من صحح العقدَ ، لأن الصفقةَ تتعدّدُ بتعدد البائع في العَهْد والردّ ، فيجعل كأن المشتري اشترى أربعةَ أوسُقٍ ونصف في صفقة ، واشترَى مثلَها في صفقةٍ أُخرى . فترتيب المذهب إذاً أنه لو باع رجلان من رجلين ، فاعتبار الخرصِ تسعةُ أوسق ، فالبيع صحيح . ولو اشترى رجل من رجلين تسعة أوسق ، فالبيع على الخلافِ . ولو اشترى رجلان من رجلٍ تسعةَ أوسق ، فالبيع صحيح بلا خلاف .